تهل أجواء نصر أكتوبر 1973، وتتوارد الذكريات غالية، فالبنسبة لجيلى ولأجيال عديدة سابقة ولاحقة يعد "العبور" حياة كاملة عشنا مفرداتها وتربينا فى أجوائها الثقافية والفنية والاجتماعية، ويأتى الرئيس أنور السادات فى مقدمة الوجوه التى ترتبط بالنصر.
***
دون السادات سيرته الذاتية تحت عنوان "البحث عن الذات"، وسعيت فى رحلتى الصحفية مع كل احتفال بنصر أكتوبر لـ "البحث عن السادات"، من خلال حوارات أجريتها وشهادات وثقتها مع الكثير ممن عرفوه وعملوا معه فى مختلف مراحل حياته.
وأذكر أنه قبل 45 عامًا، وتحديدًا فى أواخر سبتمبر 1981، قام الرئيس أنور السادات بآخر جولة ميدانية زار فيها مدينة "المنصورة" مستخدمًا القطار.
خرجنا للترحيب بالرئيس، واحتشد المواطنون على رصيف محطة القطار، وما هى إلا دقائق حتى فوجئنا بقطار الرئيس السادات يدخل فى هدوء ويتوقف تمامًا.
أطل علينا الرئيس السادات من النافذة مبتسمًا، وكان يرتدى بدلة زرقاء داكنة (كحلية اللون). وفى مفارقة قدرية عجيبة وجدت نفسى أمام السادات، فأخذت أتأمل وجهه وبشرته السمراء وعلامة الصلاة على جبينه. وقف الرئيس يوجه التحية مبتسمًا، ولفت نظرى أن بطن كف يده أبيض اللون على عكس لون بشرته السمراء.
***

فكرى مكرم عبيد يرحب بـ "سامح محروس"
بقى مشهد السادات محفورًا فى ذاكرتى، وظللت أعوامًا لا أعرف سر ما حدث، ولماذا توقف قطار السادات فى بلدتنا؟ ظل الأمر غامضًا نحو 25 عامًا حتى عملت صحفيًا، وتعرفت على السياسى المخضرم فكرى مكرم عبيد نائب رئيس الوزراء ووزير شئون مجلسى الشعب والشورى.
وفكرى مكرم عبيد هو الشقيق الأصغر للزعيم الوفدى مكرم مكرم عبيد، وكان أحد أقطاب العمل السياسى فى عصر السادات، وظل حتى آخر يوم فى عمره وفيًا للسادات محبًا له، يعلق صوره فى مكتبه بشارع قصر النيل وبيته بمصر الجديدة.
حدثنى فكرى مكرم عبيد عن السادات الرئيس والإنسان والأخ وصانع قرار العبور، وبداية صداقتهما منذ أن كان شقيقه الأكبر مكرم عبيد باشا يتولى الدفاع عنه فى قضية اغتيال أمين عثمان الشهيرة، حتى روى لى ذات يوم أنه كان برفقة الرئيس فى زيارته الأخيرة لمدينة المنصورة، التى قام بها قبل رحيله بأيام.
- قال فكرى مكرك عبيد: انطلق القطار من "محطة مصر"، ولاحظ السادات أنه يشق طريقه بسرعة بما لا يتيح للناس أن ترى الرئيس، ولا يمنح الرئيس الفرصة لتحية الجماهير.
غضب السادات، واستدعى المهندس سليمان متولى وزير النقل والمواصلات – وقتها – والذى كان يرافقه فى الرحلة، وأبلغه بأنه يريد أن يرى الجماهير، وأن سرعة القطار تحول دون ذلك.
أصدر الوزير تعليماته لقائد القطار بأن يهدئ من السرعة عند كل محطة. وكانت "قها" واحدة من المحطات التى توقف فيها القطار.
ابتسمت وسرحت مسترجعًا المشهد الذى كان قد مر عليه نحو ربع قرن وقتها، وسألنى فكرى مكرم عبيد عن السبب.
- قلت: وسط هذه الحشور الهادرة التى خرجت من مئات البلدان والقرى لتحية الرئيس، وقف طفل صغير ليرى السادات.
هذا الطفل هو الصحفى الذى يجلس أمامك الآن!!
***
موقف بسيط ولكن بقى محفورًا فى ذاكرتى لبطل الحرب والسلام الرئيس أنور السادات كما رأيته بعينى، دفعنى للقراءة عنه ومحاورة كل من عرفوه وعاصروه وعملوا إلى جواره .. وربما نعود إلى ذلك فى مقال قادم.